ابن عجيبة
91
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال ابن عمر : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة : من كفر من أصحاب المائدة ، وآل فرعون ، والمنافقون . ) روى أنها نزلت سفرة حمراء بين غمامتين ، وهم ينظرون إليها ، حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين ، اللهم اجعلها رحمة ، ولا تجعلها مثلة وعقوبة ، ثم قام وتوضأ وصلّى وبكى ، ثم كشف المنديل ، وقال : بسم اللّه خير الرازقين ، فإذا سمكة مشوية ، تسيل دسما وعند ذنبها خل ، وحولها من أنواع البقول ما خلا الكراث ، وخمسة أرغفة ، على واحد منها زيتون ، وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد . قال شمعون : يا روح اللّه أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة ؟ قال : ليس منهما ، ولكنه اخترعه اللّه بقدرته ، كلوا ما سألتم ، واشكروا اللّه يمددكم ويزدكم من فضله ، فقالوا : يا روح اللّه ، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى ، فقال : يا سمكة ؛ : أحيى بإذن اللّه ، فاضطربت ، ثم قال لها : عودي ، فعادت كما كانت ، فعادت مشوية ، ثم طارت المائدة ، ثم عصوا بعدها فمسخوا . وقيل : كانت تأتيهم أربعين يوما ، غبّا « 1 » ، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار ، يأكلون ، فإذا فرغوا ، طارت وهم ينظرون في ظلها ، ولم يأكل منها فقير إلا غنى مدة عمره ، ولا مريض إلا برئ ولم يمرض أبدا ، ثم أوحى اللّه إلى عيسى : أن اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحاء ، فاضطرب الناس ، فمسخ منهم ثلاثة وثمانون . وقيل : لما وعد اللّه إنزالها بهذه الشريطة ، استغفروا وقالوا : لا نريد ، فلم تنزل . قلت : المشهور أنها نزلت ، ويحكى أن أرجلها باقية بجزيرة الأندلس . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : في سؤال الحواريين لسيدنا عيسى عليه السّلام قلة أدب من وجهين : أحدهما : خطابه بقوله : ( يا عيسى ابن مريم ) ؛ وقد كانت هذه الأمة المحمدية تخاطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يا رسول اللّه ، يا نبي اللّه ، لكمال أدبها ، وبذلك شرفت وعظم قدرها ، فالأدب عند الصوفية ركن عظيم ، بل هو روح التصوف وقطب دائرته ، قال بعضهم : ( اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقا ) ، والكلام فيه عندهم طويل شهير . والوجه الثاني : ما في قولهم : ( هل يستطيع ربك ) من بشاعة التعبير ، وسوء اللفظ ، حتى اتهموا بالكفر من أجله . وقد تقدم تأويله ، وأما سؤالهم المائدة ، فقال بعض الصوفية : هي عبارة عن المعارف والأسرار الربانية التي هي قوت الأرواح السماوية ، فقوت الأشباح الأرضية ما يخرج من الأرض من الأقوات الحسية ، وقوت الأرواح السماوية ما ينزل من السماء من العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، ينزل على قلوب العارفين ، ثم يبرز منها إلى قلوب عائلة المستمعين ، ولما طلبوها قبل إبانها وقبل الاستعداد لها ، قال لهم : اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فلما ألحوا في
--> ( 1 ) أي : يوما بعد يوم ، ليكون أشهى وأحب - انظر حاشية الشهاب 3 / 302 .